حمص تواجه السلفية العالمية وحيدة
"حمص تواجه السلفية العالمية وحيدة" جملة ذكرها شاب من الزهراء، ترنّ في الأذن طيلة طريق العودة من حمص.. كيف حصل عليها وركّبها؟ أتُراه تعايشه اليومي مع الموت!.
إلا إن كلّ ما قيل هُنا سيُضحي ذكريات بعدما دخل الجيش السوري إلى الأحياء المتمردة وعاد العلم السوري ليرتفع في كل الأحياء.
هو الخبر الذي خيّم على طريق الذهاب إلى حمص..، فقرب مدخل المدينة وصلت الأخبار السيئة بانتشار قذائف الهاون بين الحياء المتجاورة لتفتح الرحلة أبوابها على خيارَين: دخول مدينة الأشباح والمخاطرة بالحياة بهدف الحصول على ميتة شنيعة ونهاية غير رومانسية على الإطلاق، أو العودة من حيث جئنا و "ألف كلمة جبان ولا كلمة الله يرحمو".. إذ لا ضير من الهرب حين يعلو صوت الرصاص.
القرار بدخول حمص بحد ذاته مفتوح على عدة احتمالات منها أن تكون محظوظاً فتخرج حياً مثل من خرج، وتذكر شهادتك في ما رأيتَه و تنقل صورة أهلها، وصوتهم.. ومعاناتهم.. وعلى هذا الأمل اليتيم سِرنا.
تستمع إلى الأخبار.. أو تقرأها على صفحات الفيسبوك فتطمئن، حمص بخير والهدوء يعم المكان.. وما إن تدخل المدينة الكئيبة حتى تسمع أزيز الرصاص يخيّم على كلّ شيء.
"اشتباكات في بابا عمرو".. "اختطاف تلك الفتاة".. "مقتل الصحفي الفرنسي جان جاكييه في عكرمه".. تضارب في الأخبار والتحرّك شبه مفقود بين منطقة وأُخرى.. يقول السائق: "الخروج بعد الساعة الثالثة مغامرة هنا، فالناس حبيسو المنازل من بعد ظهر كل يوم".
هل يمكننا دخول الخالدية مثلاً؟
يجيب برعب: "يستر عرضك ..الدخول إلى الخالدية مستحيل.. لو حصلت معجزة لن أُدخلك إلى تلك المنطقة، فالقتل على الهوية.. وهويتي تكفل لي أن أُقتل، وربما هويتك أيضاً!!"، في إشارة إلى الخلفية الطائفية التي تسبّب مقتل أي شخص في حمص.
في حي الزهراء تكمن المأساة، فالأبناء المخطوفون كثر، والقتلى كذلك.. والدخول بعد الساعة الخامسة مجازفة واضحة، حيث كل سيارة تتجه نحو الحي بمثابة هدف متنقل للرصاص الأعمى.. وبما أن من حضر البازار باع واشترى, كان لسيارتنا نصيب من الرصاص الذي يحرق حياة أهل حمص كل مساء.
سحر.. فتاة من الحي المنكوب تعرضت للاغتصاب وبقيت على قيد الحياة مع عدد من زميلاتها في المأساة فليست كل مغتصبة يتم تقطيعها إذ إن بعضهن يتم تركهن يعدن إلى أهاليهن ليتجرعن معهم طعم الفضيحة.. وهذا نوع آخر من التشفي والحقد الذي يملأ هواء المدينة.
الحال في الزهراء يبعث على الإحباط، حيث رائحة الأرض تعبق بالدماء والمباني تبدو مرتعاً للأشباح.. وكأن الحياة لم تعرف يوماً طريقها إلى المدينة.. وحكاية العديد من الفتيات اللواتي تم اغتصاب كل منهن على يد عشرات المسلّحين الأصوليين تتناقلها الشفاه، فيما لا يمكن تجاهل قصص شباب تم اختطافهم ثم تحريرهم بعدما فُقِئت عيونهم.
بطل سهرة هذه الليلة الباردة من ليالي حمص سومر العلي، شاب من الزهراء،.. سومر مخطوف.. تنتظره خطيبته ذات السبعة عشر ربيعاً أن يعود إليها غير مفقوء العينين..
البحث عن سومر جارٍ.. ومتابعة الأخبار تبعث على التوتر أكثر، فما من إشارة على وجوده حياً حتى الآن.. يقول صديقه وحيد: "أتمنى أن توصلوا رسالتنا إلى الشام.. قولوا لمن هناك أن حمص تدفع الثمن.. حمص تواجه السلفية العالمية وحيدة".
ويكمل كلامه بأسى: "أخرج إلى عملي كل يوم خارج حمص وأجاهد أن أعود ظهراً لأن معنى بقائي بعد الخامسة يعني أن أضطر للمبيت في قرية على الطريق حيث أن دخول الزهراء في هذا الوقت ضربٌ من الجنون".
ماذا عن باقي المناطق التي تتميز بذات الطابع الطائفي للزهراء؟
يجيب وحيد: "الزهراء مستهدفة لأنها تتميز بأن سكانها من لون طائفي واحد في محيط مختلف عنها طائفياً".
يقال أنكم أصبحتم تردّون على القتل بالقتل وتعاملون الطرف الآخر بالمثل؟
يرد بحزن: "الفعل ينجب ردة فعل والزهراء ترد أحياناً بالمثل.. ولكن انظري من يرد، من فقد ابناً أو أختاً أو أخاً.. لا يمكنك لوم هؤلاء سيما وأن الأمر لا يخلو ممن يشعل الخِلاف بين الطرفين كمن نسميهم طابور خامس ممن لهم مصلحة في تخريب سوريا والقضاء على أي أثر للدولة في حمص".
يقاطعنا الخبر مخيفاً كالصاعقة على الجميع.. "العثور على جثة سومر العلي ليلاً" فتغرق الزهراء.. أصدقاء سومر.. وخطيبته في ألم المأساة.. ككل يوم ينام الحيّ على مصيبة جديدة وفقيد حبيب.
أما اعتصام الزهراء الشهير على تقاطع الستين مع الزهرة أرمن فقد كان عبارة عن شباب وفتيات اعتصموا مطالبين بالإسراع في استعادة إخوتهم المخطوفين وسرعان ما تحوّل الأمر إلى مطالبة بإسقاط المحافظ، بحسب ما ذكرت مريم إحدى المشاركات في الاعتصام.
تتابع مريم: "أردنا إسقاط المحافظ لأننا لا نثق بأدائه والخبز ومواد التموين متوفرة في كل المناطق باستثناء منطقتنا."
الصباح عادي في عكرمة على طريق الشام.. مقلق في الزهراء، فإن أردت أن تخرج من حمص عليك الاستعانة بأحد أبناء المنطقة ممن تدربوا على مدار أشهر على كيفية حماية أنفسهم وعائلاتهم من الموت رغم خروجهم ودخولهم من مناطقهم إلى أعمالهم في المناطق الأخرى.. وما أكثر الحماصنة ممن تأقلموا مع الموت اليومي وألِفوه.
يعود وحيد فيقول: "أنا فقير، أبحث عن عمل.. فكيف يقتلني ابن بلادي لأنه أشد فقراً مني أو ربما مثلي.. ما يجري في مدينتنا غريب".
ويشرح وحيد الوضع الطائفي في حمص بالقول: "علويو حمص يشكلون 42% وغير ممثلين بين أعضاء مجلس المدينة الأحد عشر، وهم الأسوأ وضعاً في مناطقهم من شوارع غير معبدة ومشاكل خدمية ومع ذلك سكتوا طويلاً ليقع عليهم الظلم الأكبر منذ بداية الأحداث، ولكن إلى متى استباحتهم بهذا الشكل؟".
مشهد شاب آخر يتم دوسه في الشارع وشتمه بشتائم لها دلالات طائفية هو أمر عادي في البياضة، فهذا ما جرى للشاب محمد أحمد خضور الذي تم ضربه وقتله على بعد 100 متر من حاجز للجيش ليتم العثور عليه مرمياً في سيارته في شارع الستين قرب الجامع النووي.
لماذا لا يتدخل الأمن والجيش؟
يجيب أحد السكان: "الأمن والجيش يتدخلان، ولكنهم ينتظرون الأوامر أولاً.." إلا أن موت أبناء حمص لا ينتظر الأوامر فهو يغافلهم ويأتي أسرع من البرق.
هؤلاء متّهمون أنهم شبيحة وأنّهم يد النظام الطولى، نساؤهم المغتصبات.. وأطفالهم المخطوفين فيما في المناطق الأُخرى امتنع عن التعليق على ما ذُكر في التحقيق بعض "ثوار" الخالدية الذين حاولنا إعادة المحاولة معهم هاتفياً عند وصولنا إلى دمشق إلا إنهم استمروا على موقفهم بعدم التعليق.
حمص أم الفقراء، التي انتُهكت على يد أبنائها.. أبناء أكلوا بعضهم وشوّهوا أبنيتها وداسوا محرّماتها على مدى أشهر طويلة بحجّة الثورة، إلى أن دخل الجيش السوري ليضبط أوضاعها وليعود الجميع إلى سلطة الدولة
تحت المجهر
"ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون"
|